ابن حزم

638

الاحكام

ما اتفق عليه ، ورأى الآخر خروجا عما اتفق عليه ، فظن أنهما بابان مختلفان ، فأخطأ في ذلك بل هو كله باب واحد ، لأنه كله ممن خالفنا خروج عما اتفق عليه بلا دليل ، ومفارقة ما أجمع عليه بلا برهان ، وهو كله في مذهبنا نحن باب واحد ، لأنه كله منا ثبات على ما اتفق عليه ، ولزوم لما صح الاجماع فيه ، وامتناع من مفارقته ، وبالله تعالى التوفيق . وأيضا فإنه لم يقل قط مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حكم اليوم بحكم ما ، أن هذا الحكم لا يلزم الناس غدا إلا باستئناف برهان مجدد ، بل الأمة كلها مجمعة على وجوب حكم النص وتماديه إلى يوم القيامة . وكذلك حكمه عليه السلام على زان أو سارق ، هو حكم منه على كل زان أو سارق إلى يوم القيامة . وهكذا كل ما حكم به النص في عين ما هو حكم في نوع تلك العين أبدا ، ولو كان خلاف ذلك - ونعوذ بالله من هذا الظن - لبطلت لوازم نبوته صلى الله عليه وسلم في الزمان الآتي بعده ، وهذا كفر من معتقده ، فصح أن حكمه صلى الله عليه وسلم في زمانه حكم باق في كل زمان أبد الأبد ، ولم يقل قط مسلم إنه صلى الله عليه وسلم إذا حكم بأخذ درهم ، أو ضرب عشرة أسواط ، أو إيجاب ركعتين ، أو صوم يوم إنه يجب بذلك أخذ درهمين ، وضرب عشرين سوطا ، أو إيجاب أربع ركعات وصوم يومين ، بل هذه حدود الله تعالى التي حرم تعديها ، وأخبر أن متعديها من الظالمين بقوله تعالى : * ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) * فهذا فرق أوضح من الشمس لا يراها العميان ، وقد تغيب عن بعض الأماكن في بعض الأوقات . وهذا برهان لا يغيب نوره أبدا ، ويراه كل ذي عقل وحس سليم ممن خوطب بالديانة ، وأيضا فإن أقل ما قيل حق ويقين ، لأنه إجماع وخصمنا موافق لنا على وجوبه والزيادة عليه شك ، ودعوى وظن ، ولا يحل رفع اليقين بالشك ولا ترك الحق بالظن ، ومفارقة الواجب بالدعوى ، وقد حرم الله تعالى ذلك ، إذ يقول عز وجل : * ( إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) * وفيما ذكرنا كفاية لمن له عقل ونصح نفسه ، وبالله تعالى التوفيق . فإن قال قائل : أنتم تقولون إن الاجماع والنص أصلان ، والعمل بهما فرض ، وأنتم تأخذون في النص بالزائد أبدا ، ولا تأخذون بالمتيقن عليه ، وتأخذون في الاجماع بأقل ما قيل ، وهو المتفق عليه ، فكيف هذا ؟ .